عبد الكريم الخطيب

418

التفسير القرآنى للقرآن

الانتقام منه ، ومضاعفة الكيد له . . ولكن القوم لم يفعلوا ، وبعثوا إلى قريش من يخبرها بما كان من أمر محمد معهم ، ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، فوقفوا له سماطين ( أي صفين ) وجعلوا يسفهون عليه ، ويرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه ، حتى أصابه شجاج في رأسه ! وترك الرسول الكريم - بأبى هو وأمي - الطائف على تلك الحال ، وقد امتلأت نفسه أسى وحسرة ، وفاض صدره ، ضيقا وحزنا ! ولكن إلى أين المسير ؟ وهل هناك غير مكة ؟ إنه على أي حال ، لا يزال يمسك منها على شئ من الأمل والرجاء ، ولا يزال يطمع في خير من أهل أو صديق فيها ! وقبل أن يتخذ الرسول وجهته إلى مكة ، أسند ظهره إلى شجرة نائية هناك ، حتى تجتمع نفسه ، وتسكن خلجاته ؛ ويخف عنه بعض ما حمل من أهل ثقيف من آلام ! وفي ظل هذه الشجرة ، وجّه الرسول وجهه إلى ربّه ، يناجيه ، ويطلب العون والمدد من رحمته ، فخلق قلبه بهذا النداء الدافئ العميق ، وتحركت شفتاه بهذا الدعاء الندىّ العطر ، المعقود بأنفاس الأمل والرجاء في مالك الملك ، ومن بيده ملكوت السماوات والأرض . . فيقول صلوات اللّه وسلامه عليه : « اللهمّ . . أشكو إليك ضعف قوّتى ، وقلّة حيلتي ، وهو انى على الناس ! « يا أرحم الراحمين . أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربى . . . « إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهّمنى « 1 » ؟ أم إلى عدوّ ملّكته أمرى ؟ « إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالي . .

--> ( 1 ) أي يتنكر بي . والمراد بالبعيد ثقيف ، وبالعدو : قريش .